حمدي شكري.. من “حصان طروادة“ سعودي في الجنوب إلى كابوس الساحل الغربي..!
قضايا جنوبية – ابين اليوم
أبين اليوم – خاص
يعود اسم حمدي شكري إلى صدارة المشهد اليمني، لكن هذه المرة من بوابة الساحل الغربي، بعد أن ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بإعادة تشكيل خريطة الفصائل الجنوبية وفقاً للتوازنات التي فرضتها السعودية.
وبينما قدمته الرياض في مراحل سابقة باعتباره أحد أدواتها لتفكيك نفوذ خصومها في الجنوب، بات الرجل اليوم في قلب الانتقادات السعودية بعد الانهيار المتسارع للجبهات التي أُسندت إليه في الساحل الغربي.
بزغ نجم شكري، وهو سلفي من خريجي مركز دماج في صعدة، خلال السنوات التي أعقبت عام 2020، بالتزامن مع مساعي الإمارات لإعادة دمج تشكيلاتها العسكرية في الساحل الغربي ضمن قيادة موحدة بقيادة طارق صالح. وبحسب الرواية المتداولة في الأوساط اليمنية، رفض شكري الانخراط الكامل في هذا المسار، وتمسك بخط ارتباطه بالسعودية، قبل أن يبدأ العمل على إعادة توزيع قواته بعيداً عن ترتيبات أبوظبي.
ومع تصاعد التنافس السعودي الإماراتي على النفوذ داخل المعسكر المناهض لصنعاء، تحولت قوات شكري إلى ورقة قابلة للاستخدام في إعادة هندسة الخريطة العسكرية جنوباً. فجرى شق أجزاء من تشكيلات العمالقة الجنوبية وإعادة نشر وحدات منها في مناطق جنوبية وشرقية، بالتزامن مع فتح قنوات تمويل ودعم سعودية لها، وفق مصادر يمنية.
اختفى اسم شكري نسبياً خلال مرحلة صعود المجلس الانتقالي الجنوبي وتوسع نفوذه، خصوصاً بعد انضمام أبو زرعة المحرمي إلى قيادة الانتقالي نائباً لرئيسه.
لكنه عاد إلى الواجهة خلال أحداث أبين، حيث اتهمت مصادر جنوبية إحدى وحداته المتمركزة في المناطق الوسطى بتوفير ملاذات لعناصر متهمة بتنفيذ هجمات ضد قوات الانتقالي في الوضيع ومودية ولودر، وهي اتهامات ظلت محل خلاف بين الأطراف المحلية.
غير أن العودة الأبرز لشكري جاءت مطلع العام الجاري، عندما برز اسمه في ترتيبات سعودية لإعادة تفكيك البنية العسكرية للانتقالي في عدن ولحج والضالع.
ووفق مصادر يمنية، استفادت الرياض من صورته كقائد جنوبي لإحداث اختراق داخل عدد من التشكيلات المحلية، قبل الدفع بوحدات موالية لها إلى مواقع كانت محسوبة تقليدياً على الانتقالي، بما في ذلك مناطق في الضالع، مسقط رأس رئيس الانتقالي عيدروس الزبيدي.
وفي أعقاب ذلك، جرى ترفيع شكري وتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة، التي كانت مرتبطة إلى حد كبير بالنفوذ العسكري للانتقالي، مع توسيع نطاق القوات والمحاور الواقعة تحت قيادته لتشمل تشكيلات مرتبطة بحزب الإصلاح في لحج وتعز.
لكن الرهان السعودي على شكري لم يتوقف عند الجنوب. فعندما دخل الساحل الغربي مرحلة إعادة ترتيب جديدة، عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه أحد القادة الذين يمكن الدفع بهم لاستعادة المناطق التي فقدتها القوات الموالية للتحالف.
وتحدثت مصادر عن إغراءات سياسية وعسكرية قُدمت له، بينها إمكانية توليه منصب وزير الدفاع، مقابل استعادة زمام المبادرة في الجبهات الغربية.
غير أن مسار المعارك جاء في الاتجاه المعاكس. فمنذ انتقال شكري إلى قيادة القوات في تلك الجبهة، شهدت مواقع عدة تراجعاً متسارعاً، بما في ذلك مناطق في ريف تعز الجنوبي الغربي، لتتحول تجربة الرجل من ورقة سعودية لإعادة هندسة الفصائل إلى عنوان للخلاف حول المسؤولية عن الانهيار الميداني.
وفي الأوساط السعودية الناقدة للأداء العسكري، بدأ تداول وصف «مقصاع» بحق شكري، وهي عبارة شعبية تستخدم للدلالة على حصان كبير في السن فقد قدرته على أداء الدور الذي كان مطلوباً منه.
وتكشف هذه اللغة، بصرف النظر عن دقة الرواية أو مصدرها، حجم التحول في النظرة إلى الرجل: من قائد جرى تقديمه كأداة فعالة لإعادة ترتيب موازين القوى، إلى شخصية يجري تحميلها جانباً من مسؤولية نتائج ميدانية قاسية.
تحليل:
تكمن قصة حمدي شكري في كونها تتجاوز شخص القائد نفسه إلى طبيعة الأدوات التي اعتمدت عليها الرياض لإدارة الفصائل اليمنية.
فالقائد الذي يمكن استخدامه لتفكيك نفوذ خصم جنوبي قد يتحول، في مرحلة أخرى، إلى عبء عندما يُنقل من بيئة يعرف توازناتها الاجتماعية والعسكرية إلى جبهة مختلفة تماماً.
وهنا تظهر مشكلة أوسع: هندسة الولاءات بالفصائل لا تنتج بالضرورة قوة عسكرية متماسكة، بل قد تنتج تشكيلات مرتبطة بمراكز التمويل أكثر من ارتباطها بمشروع عسكري موحد.
كما أن صعود شكري وهبوطه المحتمل يعكسان الصراع السعودي الإماراتي على الوكلاء المحليين. ففي الجنوب كان المطلوب تحجيم نفوذ تشكيلات مرتبطة بأبوظبي وإعادة إدخال قوى أخرى في المعادلة، بينما أصبح الساحل الغربي ساحة مختلفة تتداخل فيها حسابات طارق صالح، والعمالقة، والإصلاح، والقوى المدعومة سعودياً.
نقل الأدوات نفسها بين هذه الساحات لا يلغي اختلاف المصالح والتوازنات؛ بل قد يكشف حدود القدرة على إعادة تدوير القيادات باعتبارها أوراقاً جاهزة لكل معركة.
وفي النهاية، فإن أخطر ما تكشفه تجربة شكري ليس مصير قائد بعينه، وإنما هشاشة منظومة تقوم على إعادة تدوير الولاءات بدلاً من بناء مؤسسة عسكرية واحدة.
فالورقة التي تُستخدم اليوم لتفكيك نفوذ خصم قد تصبح غداً كبش فداء لفشل العملية نفسها. وحين تبدأ مراكز النفوذ في البحث عن «مقصاع» لتحميله مسؤولية الانهيار، فهذا يعني أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل انتقل إلى معركة توزيع المسؤولية عن خسارة الأرض.
الذهاب إلى المصدر