لماذا يعدّ تأجيل مؤتمر (دافوس الصحراء) انتكاسة كبرى لخطة التحول الاقتصادي السعودية؟
نوفمبر 7, 2026
أخبار الوطن – الخبر اليمني
في أكتوبر 2017 أطلق صندوق الاستثمارات السعودي مبادرة مستقبل الاستثمار كحدث سنوي تتبلور فيه اتجاهات رؤية (2030) التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان، والتي تهدف لتحويل المملكة من مجرد منتج للنفط، إلى وجهة للاستثمارات الأجنبية في كل المجالات، وفي الحدث الافتتاحي لهذه المبادرة، أعلن الأمير السعودي عما كان يفترض به أن يكون أهم وأكبر مشاريع الرؤية واستثماراتها وهو (نيوم).. المدينة التي وعد بأن يكون عدد الروبوتات فيها أكثر من عدد البشر، وستكون وسائل النقل فيها عبارة عن سيارات ذاتية القيادة وطائرات بدون طيار، بل إنها ستكون مدينة “التعايش مع العالم والقضاء على التطرف”.
ضرار الطيب- الخبر اليمني:
منذ ذلك الوقت ضخ صندوق الاستثمارات السعودي مبالغ هائلة لإنجاز مشروع (نيوم)، وتم عقد تسع نسخ لمؤتمر مبادرة الاستثمار الذي اكتسب لاحقا اسم (دافوس الصحراء) للتعبير عن أهميته التي تحاكي أهمية المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية، ويحضره الكثير من كبار قادة العالم والمسؤولين ورؤساء الشركات والمؤسسات العملاقة وصناديق الثروة، لاستكشاف ومناقشة الفرص الاستثمارية وإبرام الصفقات الضخمة.
ويقال إن النسخة الأخيرة من المؤتمر السعودي استقطبت أكثر من 9000 مندوب من 90 دولة، وشهدت توقيع اتفاقيات وتعهدات استثمارية بأكثر من 50 مليار دولار في قطاعات عدة تضمنت الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة.
حتى بعد أن اتضح (في وقت متأخر) أن المشاريع العملاقة لرؤية (2030)، بما فيها (نيوم)، كانت ببساطة “غير واقعية” واستنزفت أموالا هائلة بلا نتيجة، كان حلم التحول الاقتصادي لا يزال قابلا للمطاردة، ويحتاج فقط للتخلي عن الاستعراض والسياسات الخاطئة، ولذلك أعلن صندوق الثروة السعودي عن خطة الابتعاد عن المشاريع العملاقة، والاتجاه نحو زيادة الإيرادات من خلال مشاريع السياحة والترفيه والصناعات والخدمات اللوجستية ومسارات أخرى.
ولهذا كان عقد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار هذا العام أمرا بالغ الأهمية لإنعاش الرؤية مجددا، وإظهار قدرة المملكة على النهوض وتصحيح الأوضاع، وخصوصا بعد تداعيات حرب إيران التي طالت السعودية بشكل مباشر في العمود الفقري لاقتصادها، والمتمثل بصادرات النفط التي زاد الاعتماد عليها بشكل كبير، خلافا لأهداف “الرؤية”.
لكن قبل ثلاثة أشهر فقط، انهارت الهدنة التي كان يتكئ عليها السعوديون مع صنعاء كثيرا، عندما قرروا قصف مطار صنعاء لمنع هبوط رحلة جوية كانت تقل وفدا رسميا عائدا من طهران، وقبل أيام قليلة من موعد المؤتمر قررت صنعاء أن ترد بإغلاق مطار الرياض، الأمر لم يجعل فقط وصول الأجانب إلى المؤتمر صعبا، بل وضعهم أمام حقيقة أن السعودية غير آمنة.
السعودية ليست آمنة للاستثمار:
كان إصرار السعودية على عقد المؤتمر في موعده، رغم موجة الإلغاءات التي طالت العديد من الفعاليات والمؤتمرات عقب إغلاق مطار الرياض، يعكس أهمية هذه الفعالية بالذات ومكانتها في خطة التحول الاقتصادي التي أصبحت مع مرور السنوات تحد استراتيجي يتجاوز مسألة تقليل الاعتماد على النفط (وهو ما فشلت فيه)، حيث أصبحت صورة السعودية كوجهة عالمية هي الصورة التي يشعر ولي العهد محمد بن سلمان بضرورة ربطها بهوية المملكة نفسها.. حتى إذا حضر الحديث عن السعودية في أي سياق سياسي أو اقتصادي أو أمني، يتذكر الجميع فورا هذه الصورة.
وبما أن المشاريع العملاقة فشلت بشكل ذريع في أن تجسد هذه الصورة، كان الأمل معقودا بشكل كبير على (دافوس الصحراء) فحتى الاسم يعطيك انطباعا واضحا عن مدى اختزال هذه الفعالية للهوية السياسية والثقافية والاقتصادية التي أراد بن سلمان صناعتها للمملكة، وكذلك عن أسباب هذا الاختزال، ومنها التنافس المحتدم مع الإمارات، والعثرات المتكررة التي جعلت الأمير السعودي بحاجة إلى إنجاز حقيقي يدعم قصة “النهضة” التي ربط بها صعوده إلى الحكم، وهي القصة التي كان يفترض أن يرويها الروبوتات لسكان (نيوم) بحلول الآن!
لكن في النهاية لم يكن (دافوس الصحراء) سوى عنوان، وكذلك الهوية “النهضوية” المرتبطة به، لأن تأجيل المؤتمر في النهاية لم يحدث لأسباب خارجة عن إرادة الجميع، بل كانت نتيجة لتقديرات استراتيجية خاطئة تعكس عدم قابلية السعودية لأن تكون الوجهة التي أرادها محمد بن سلمان، فبرغم أن صنعاء أثبتت قدرتها على ضرب المنشآت السعودية بدقة لأسابيع، وتمكنت من خنق صادرات “ينبع” النفطية في البحر الأحمر بنجاح، أصرت الرياض ببساطة على مواصلة الحرب، مطمئنة إلى أنها تستطيع إدارة المخاطر، وهو أمر لا يستخف به المستثمرون أبدا.
وكما تنقل وكالة (فرانس برس) عن مستشارة للحكومة السعودية نفسها، فإن المملكة الآن تواجه تهديدا عميقا يتمثل في أن “تبدأ مجالس إدارة الشركات في تصنيف السعودية كجزء من منطقة صراع نشطة” مضيفة أنه “إذا ترسخ هذا التصور في نماذج المخاطر وأقساط التأمين، فسيستغرق الأمر سنوات عديدة للتخلص منه”.
وقد ذكر موقع (سيما فور) أن إلغاء مؤتمر (دافوس الصحراء) جاء بعد أن نقل مسؤولون تنفيذيون كبار في (وول ستريت) مخاوفهم الأمنية إلى المنظمين، وعلى رأسهم رئيس صندوق الاستثمارات السعودي ياسر الرميان، وهو ما يعني أن السعودية لم تبادر حتى إلى احتواء الوضع مبكرا، بل انتظرت تفاقم المخاوف لدى الشركات الأجنبية نفسها وتأكدها من حقيقة أن الرياض “غير آمنة”، الأمر الذي سيتذكره المستثمرون عندما يسمعون أي تطمينات أو وعود إضافية إذا استمر الصراع، خصوصا وأن هذا “الفخ” تكرر كثيرا، فقد أصر السعوديون على طمأنة شركات الطيران بشأن وضع مطار الرياض متجاهلين المخاطر، وكانت النتيجة سقوط العديد من الضحايا، والآن بعد أصدروا إشعارات باستئناف العمليات في المطار (شرط الحصول على تصريحات مسبقة) لم تبد أي شركة طيران اهتماما بذلك.. أما شركات الشحن فقد تجنبت فخ الركون إلى التطمينات السعودية مبكرا، لأنها تعرف مسبقا قدرة صنعاء على فرض العقوبات البحرية.
ربما تكون المخاطرة شيئا يقدره بعض المستثمرين، لكن ليس عندما يتعلق الأمر بالأرواح والبنى التحتية نفسها، ولذا فإن إلغاء مؤتمر (دافوس الصحراء) بالسيناريو الذي حدث، سيكون له تأثيرات تتجاوز الصورة الإعلامية، لأن الخطر الأمني ليس غامضا ولا يمكن التغطية عليه بأية مصطلحات تنظيمية، فقد أخلت الشركات العالمية في أبراج مركز الملك عبد الله المالي و”مركز المملكة” مكاتبها، ولا زالت صنعاء تتطوع بتقديم المزيد من الشواهد على أنه لا يوجد أي مكان محمي في المملكة، بما في ذلك منشآتها الأكثر حساسية، فقد دمرت صواريخ يمنية برج إدارة شركة (أرامكو) الذي يضم مكتب الرئيس التنفيذي أمين الناصر.
ومما يعزز قناعة المستثمرين بشأن هشاشة الوضع الأمني في المملكة، ما يقوله الاستشاريون والمسؤولون السعوديون في بعض التقارير بشأن أن الاحداث الأخيرة تمثل “اختبار ولاء لقادة الأعمال” لتحديد “من يظهرون في الأوقات الصعبة ويستحقون المكافأة” فهذا المنطق له حدود حتى بين الشركاء الفعليين، فكيف بمن يفترض أن يتم جذبهم لاستكشاف الفرص.. لقد وُعدوا بـ(دافوس) لكنهم لم يجدوا سوى “الصحراء” التي تتطلب اختبارات قاسية وتضحيات.
ثم أن المستثمرين الذين تسعى السعودية “لاختبار ولائهم” بدلا من جذبهم وإغراءهم، يعلمون جميعا أن رأس مال المملكة في خلق بيئة آمنة للاستثمار هو “الحماية الأمريكية” وقد أظهرت الأحداث ما يكفي من الدلائل على أن هناك فجوة كبيرة في هذه الحماية، وبالتالي ربما على الرياض أن تختبر ولاء البيت الأبيض أولا!
وقد كان أداء سوق البورصة السعودية، أكثر من واضح في تأكيد موقف المستثمرين الأجانب تجاه الوضع في المملكة، حيث أظهرت البيانات أنهم باعوا أسهما سعودية بنحو ملياري دولار منذ بداية سبتمبر إلى منتصف أكتوبر، بما في ذلك 227 مليون دولار من الأسهم السعودية في الأسبوع الذي تلا إغلاق مطار الرياض، وحتى شركة (أرامكو) العملاقة التي كانت تحقق مكاسب بسبب ارتفاع أسعار النفط، لم تسلم من عمليات بيع الأسهم، لأنها تعرضت لهجمات وصلت إلى مقرها الرئيسي الذي تم إفراغه من الموظفين إلى أجل غير مسمى.
إن حاجة المستثمرين إلى البيئة الآمنة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها، وحتى لو كانت السعودية تريد حاليا مستثمرين وهميين يتجاهلون الواقع ويروجون لنشاط لا وجود له مقابل “مكافآت” سخية، ستظل بحاجة إلى مستوى من الأمن لدعم تلك الدعاية، ولن يتوفر ذلك طالما أن حرب اليمن مفتوحة.
يقول السعوديون إن بلادهم قد واجهت تحديات مماثلة وتجاوزتها، وهم يقصدون بذلك أن فترات التصعيد تأتي وتذهب، لكن هذا لا يكفي لخلق البيئة الاستثمارية التي تحتاجها خطة التحول الاقتصادي وعنوان (دافوس الصحراء)، فالهدوء الذي قد يتم التوصل إليه بعد تدمير بنى تحتية حيوية، لن يعني أن الاستقرار قد تحقق ببساطة، خصوصا إذا لم يكن هذا الهدوء ناتجا عن سلام مستدام، وهو ما لم يتوفر للسعودية منذ سنوات، فحتى بعد هدنة 2022 مع صنعاء، كان الهدوء يوصف دائما بأنه “هش” وقد ازدادت صعوبة الأوضاع بشكل كبير بعد 7 أكتوبر 2030، حيث أصبحت المنطقة بأكملها تشتعل ولم تعد هناك حدود واضحة للصراعات.
إن الوعد بتحسن الأمور في المستقبل، ليس له معنى عندما يتعلق الأمر بجهود جذب الاستثمارات، بل أن محللين غربيين يقولون اليوم بوضوح إن قيمة هذا الوعد تحددها صنعاء، لأن “الرؤية السعودية أصبحت رهينة لدى الحوثيين”.
لقد كانت المهمة بسيطة وقابلة للتنفيذ: إقناع المستثمرين بالقدوم إلى المملكة ليستكشفوا الفرص الواعدة فيها، لكن قرار قصف مطار صنعاء الدولي في يوليو الماضي جعلها مهمة مستحيلة، حيث أصبح على المستثمرين الآن أن يأتوا بالسيارات تحت ضربات الصواريخ والطائرات المسيرة لكي يثبتوا ولائهم أولا، وأصبح عليهم أن يثقوا بشكل أعمى بخطط السعودية الحالية والمستقبلية لردع القوات المسلحة اليمنية والقضاء والتعامل مع التهديدات من إيران والعراق.. هذه ليست بيئة استثمار.
The post لماذا يعدّ تأجيل مؤتمر (دافوس الصحراء) انتكاسة كبرى لخطة التحول الاقتصادي السعودية؟ first appeared on الخبر اليمني.